حسن حسن زاده آملى
736
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
نفسك في يقضتك فأنت ترى وتعمد في منامك إذا خلت النفس عن الجسد ما ترى وتعمد في يقظتك إذا أرسلت النفس الجسد ، فالنفس قائمة بذاتها من غير جسد في نومها ، وهي ترى في منامها ما ترى في يقظتها ويبلغ ما يبلغه في تلك الحال بين اللحوق بالمواضع الشاسعة ، والطيران في الهواء ، والارتقاء إلى السماء ، ويلحق على ما يكون غدا ، ولا يقدر في اليقظة على شيء من ذلك وهي يأكل ويشرب وينكح ويتلذذ ويتنعم وهي تألم وتحزن وتفرح وتضحك وتبكي وتفعل كل شيء تفعله في اليقظة بلا جسد ؛ بل هي قائمة بذاتها خالية عن جسدها والجسد خال منها وهي لم تنفرد عنه ولم تنفصل انفصالا كليا فكيف إذا تخلت بكمالها وخرجت من حصارها وكشف الغطاء عنها وخرجت عن عالم الجسد الظلماني إلى العالم النوراني الذي اقتبست منه فعاينت منه النفس السعيدة ما اخفى لها من قرة أعين جزاء ما عملت ، ورأت النفس الشقّية عن الجحيم فأيقنت بما وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون » « 1 » . أقول : ما افاده ابن مسكويه فهو مما يستدل به على تجرّد النفس الناطقة أيضا ، لأن مفاده ان النفس مستعملة لبدنها المثالي في منامها ، ومستغنية في افعالها عن استعمال هذا البدن الطبيعي بل ربما كانت ذاهلة عنه ، وفي اليقظة مستعملة لهذا البدن العنصري وذاهلة عن بدنها المثالي ، فهي غيرهما وغير محتاجة في قوام ذاتها اليهما . وقد استمسك الشيخ الإشراقي في تجرد النفس بهذا الدليل كما بيّناه في سائر مصنفاتنا ، وهو في الحقيقة مستفاد من كلام ابن مسكوية المذكور فتبصّر . تتمّة : ما اهديناه من فصوص النصوص المشرقة كافية لمن أخذت الفطانة بيده في الاعتلاء إلى أن للانسان معادين جميعا ، إلّا ان المتأله السبزواري - رضوان اللّه تعالى عليه - أتى بلباب ما برهن في الحكمة المتعالية في كتابه شرح الأسماء الحسني في شرح البند 94 منه ، وله إفادات ايماضيّة وايقانات اشراقية وايماءات نورية في تعليقاته عليها ، لقد رأينا الإتيان بها في المقام موجبا لمزيد الاستبصار ، ومقربا للنفوس المستعدّة إلى الاستنارة من الأنوار فان المطلب رفيع جدا والارتقاء اليه مفتقر إلى همة عالية وتأييدات متعالية ومدارج علميّة ، فنأتي أولا بالمتن ثم بالتعليقات وهي ما يلي : « المعاد جسماني وروحاني : فمن قائل بالجسماني فقط ، ومن قائل بالروحاني فقط ، ومن قائل فحل بهما جميعا ، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه .
--> ( 1 ) . رسائل فلسفية ، ط ( جامعة إسطنبول ) ، ج 2 ، ص 69 - 70 .